أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
300
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الراغب : « القسط » : أن يأخذ قسط غيره ، وذلك جور ، والإقساط : أن يعطي قسط غيره ، وذلك إنصاف ، ولذلك يقال : « قسط الرجل إذا جار ، وأقسط : إذا عدل ، قال تعالى : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً « 1 » وقال تعالى : وَأَقْسِطُوا ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ « 2 » . ومن غيريب ما يحكى أن الحجّاج لما أحضر الحبر الشهير سعيد بن جبير ، قال له : « ما تقول فيّ ؟ » قال : « قاسط عادل » ، فأعجب الحاضرين ، فقال لهم الحجاج : « ويلكم . لم تفهموا عنه ، إنه جعلني جائرا كافرا ، ألم تسمعوا قول اللّه تعالى : وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً وقوله تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ « 3 » وقد تقدم استيفاء الكلام في هذه المادة في قوله : قائِماً بِالْقِسْطِ « 4 » . قوله : ما طابَ في « ما » هذه أوجه : أحدها : أنها بمعنى الذي ، وذلك عند من يرى أنّ « ما » تكون للعاقل ، وهي مسألة مشهورة ، قال بعضهم : « وحسّن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء وهن ناقصات العقول . وبعضهم يقول : هي لصفات من يعقل . وبعضهم يقول : لنوع من يعقل ، كأنه قيل : النوع الطيب من النساء ، وهي عبارات متقاربة ، ولذلك لم نعدّها أوجها . الثاني : أنها نكرة موصوفة أي : انكحوا جنسا طيبا ، أو عددا طيبا . الثالث : أنها مصدرية وذلك المصدر واقع على موقع اسم فاعل تقديره : فانحوا الطيب . وقال الشيخ « 5 » هنا : « والمصدر مقدر هنا باسم الفاعل ، والمعنى : فانكحوا النكاح الذي طاب لكم » والأول أظهر . الرابع : أنها ظرفية ، والظرفية تستلزم المصدرية ، والتقدير : فانحوا مدة يطيب فيها النكاح لكم . إذا تقرر هذا فإن قلنا : إنها موصولة اسمية أو نكرة موصوفة أو مصدرية والمصدر واقع موقع اسم الفاعل كانت « ما » مفعولا ب « انكحوا » . ويكون « مِنَ النِّساءِ » فيه وجهان : أحدهما : أنها لبيان الجنس المبهم في « ما » عند من يثبت لها ذلك . والثاني : أنها تبعيضية ، أي : بعض النساء ، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من « ما طابَ » . وإن قلنا : إنها مصدرية ظرفية أو مصدرية محضة ، ولم يوقع المصدر موقع اسم فاعل كما تقدمت حكايته عن الشيخ كان مفعول « فَانْكِحُوا » قوله « مِنَ النِّساءِ » ، نحو قولك : « أكلت من الرغيف ، وشربت من العسل » أي : شيئا من الرغيف وشيئا من العسل . فإن قيل : لم لا تجعل على هذا « مَثْنى » وما بعدها هو مفعول « فَانْكِحُوا » أي : فانكحوا هذا العدد ؟ فالجواب : أن هذه الألفاظ المعدولة لا تلي العوامل . وقرأ ابن أبي عبلة : « من طاب » وهو مرجّح كون « ما » بمعنى الذي للعاقل . وفي مصحف أبيّ بن كعب : « طيب » بالياء ، وهذا ليس بمبني للمفعول ، لأنه قاصر ، وإنما كتب كذلك دلالة على الإمالة وهي قراءة حمزة « 6 » .
--> ( 1 ) سورة الجن ، آية ( 15 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 42 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 1 ) . ( 4 ) سورة المائدة ، آية ( 18 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 162 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 162 ) .